التحولات التي طرأت على الشعر في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي

اضيف بتاريخ 2010/2/9 في 10:02 - اضف تعليق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التحولات التي طرأت على الشعر

في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي

 

إذا كانت الحياة الجاهلية التي عاشها العرب في صحراء الجزيرة العربية وأطراف الشام والعراق حياة بسيطة غير معقدة ، قد نتج عنها أدب بسيط لا يحمل من الفكر إلآّ النزر اليسير ولا تبطن الفلسفة ولا العقائد الدينية باستثناء ما جاء على لسان الشعراء المتألهين كأمية بن أبي الصلت الذين ذكروا في شعرهم قضية التوحيد الإلهي بمفهومه البسيط ، فإن الحياة في العصر الإسلامي قد حملت معها رؤى جديدة وأشكالا مختلفة للقضايا السياسية والاجتماعية والفكرية ومن هنا بدأ التحول يأخذ مجراه في الأدب وخاصة في الشعر ، وقد أسهم في ابراز هذه التحولات سببان رئيسيان :

التجربة الذاتية :                                                                                                 التي تعطي للعالم الداخلي عند الإنسان الأولوية من حيث : المشاعر.... وقد مثّل ذلك شعراء العذرية وحمل لنا شعرهم رغبات وانفعالات تعبر عن موقف يعقدعلى الكره والحب لمختلف هذه القضايا .

2ـ التجربة الفكرية :                                                                                            القائمة على التوحيد في الفكر علــى اعتبار أن الشعر هــو أحد وسائل الفكر ، وقــد مثل ذلك شعراء الخوارج الذين حملوا لنا في شعــرهــــم الصراعات الفكرية حــول مفهومي العبــادة والسلطة .

ومن هنا فإن تحولا جديدا قـد طرأ على مضمون الشعـــر تمثل فــي إحداث أغراض جـديدة كالشعر الديني الذي يتحدث عن عقائد الدين والمثل العليا التي ينطلق منها وكشعــــر الوعظ الذي يدعو إلى التقوى وينهى النفس عن الهوى ، بالإضافة إلى شعر الفتوحات الذي يتحدث عن انتصارات العرب المسلمين على الأقوام الأخرى كفارس  وبيزنطا ....  ومـن ثـم شعـر الشكوى الذي فضح ممارسات الولاة وشعر المذاهب السياسية الذي نشأ بفعل نشوء الأحزاب السياسية المتصارعة على السلطة ، والشعر العذري الذي يتناول المرأة مضمونا إنسانيا لا شكلا مـن أشكال الجمال  فـي الحياة  .  أما مـن حيث الشكل فقـد بدأ الشعـــراء الإسلاميون يتحررون من المقدمة الطللية ومن الابتداء القائم على مخاطبة شخصين: (  قفا نبك ـ خليليّ) وبدأ هؤلاء الشعراء بكتابة مقدمات دينية كما في شعر عبد الله بن الأحمر الأسدي :

            صحوت وودعت الصبا والقوافيا        وقلت لأصحابي أجيبوا المناديا

            وقولوا له إذ قام يدعو إلى الهدى        وقبل الدعا :  لبيك  لبيك  داعيا  

ولو رجعنا إلى شعر عمر بن أبي ربيعة ، وجميل بن معمر ، وشعراء المذاهب السياسية لوجدنا مقدماتهم ليست بالمقدمات الطللية . فهاهو الكميت على تعلقه العاطفي بآل البيت وانصرافه إلى حبهم وتحمل الأذى من أجلهم ، نافيا التغزل :

            طربت وما شوقا إلى البيض أطرب        ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب

            ولـــم تلهنــــي دارٌ ولا رسم منزلٍ          ولــــم يتطربنـي بنان مخضب

            ولكن إلـى أهـل الفضائل  والنهــى         وخير بني حواء والخير يطلب

وقد تأثر الشعراء بأسلوب الجدل الذي كان قائما على الاقناع وأكثر الشعراء في هذا العصر من استخدام تراكيب :  ( ياراكبا إما عرضت فبلغن ـ أبلغ ) .

كقول حسان بن ثابت :

            يا راكبا إما عرضت فبلغن               على الناس في عبد شمس وهاشما

وقول حسان :

            ألا أبلغ أبا سفيان عني                   مغلغلة فقد برح الخفاء

وقد ساهم أسلوب القرآن في تصاعد الاعتماد على أسلوب المناقشات والاقناع الفكري ، وأسلوب الحوار القصصي المعتمد عند شعراء الخوارج على : ( قلت ، قالت ) ، كقول عمر ابن ربيعة :

             كلما قلت : متى ميعادنا                 ضحكت هند وقالت بعد غدِ

يضاف إلى ذلك استخدام صيغ وعبارات جديدة مستوحاة من المعاني الإسلامية   مثل   :                 ( الإيمان ، الكفر ، الزكاة ، الصلاة ، الوحي ، القيامة ، التقوى ، الجهاد ، الشهداء ، الحرام ، الحلال ... ) . يقول عمرو بن قريط  العامري :

             ثقلت صلاة المسلمين عليكم           بني عامر والحق جدّ ثقيل

             واتبعوهـــــــا بالزكاة وقلتم           ألا  لا تقروا منهـــــا بفتيل

وقول حسان :

             وما فقد الماضون مثل محمد          ولا مثله حتى القيامة يفقد

أو كقول جرير :

             إن الذي حرم المكارم تلعبا            جعل النبوة والخلافة فينا

وأخذت ألفاظ جديدة تكتسي معان جديدة لم تكن تحملها سابقا ، كالحزم الذي أصبح بمعنى التقى : كقول مروة بن نوفل :

ولقد علمت وخير العلم أنفعه         أن السعيد الذي ينجو من النار

ويقول الفرزدق متكئا على معاني القرآن في مخاطبة زوجته نوار:

وكانت جنتي فخرجت منها         كآدم حين لجّ  به الضرار

كما أن الصور الخيالية ازدادت خصوبة كقول الشاعر :

كأن القلب ليلة قيل يفدى             بليلة العامرية أو يراح

قطاة عزها شرك فباتت             تجاذبه وقد علق الجناح

لها فرخان قد تركا بوكر            فعشهما تصفقه الرياح

 

                                             حسين علي الهنداوي

                                                                تاريخ أدب 


« الصفحه السابقه :: الصفحه التاليه »